الجزء الثاني من: تطورات المجتمع في الرواية الفلسطينية
وعي الجسد
وكان على رئيفة شبلاق أن تصل إلى المنطقة الوعرة، حكما، عندما تقدمت دراستها في بحث مكونات المجتمع على المستوى الجنسي، بعد أن كانت الأمور أقل تعقيدا في مرحلة الانتباه إلى النكبة بوعي الطفولة. وها هي تضع أمامها خمس روايات. بوصلة من أجل عباد الشمس: ليانة بدر - البكاء على صدر الحبيب: رشاد أبو شاور - نشيد الحياة: يحيى يخلف - عباد الشمس: سحر خليفة - حبيبتي ميليشيا: توفيق فياض.
وكان طبيعيا أن تجد الباحثة قاسما مشتركا بين جنات، بطلة رواية ليانة بدر، ورفيف، بطلة رواية سحر خليفة، إذ يجمع بين الشخصيتين وعي مركب، وطني واجتماعي، فهما فتاتان مثقفتان من عالم المقاومة. وإذا كان فهمهما للتناقض مع العدو المحتل حاسما ولا يحتاج إلى كثير من التحليل، فان الموقع الاجتماعي لكل منهما يعيدهما إلى مربع وعي الجسد، فجنات يفزعها أن الآخرين، بمن فيهم رفاقها، يتعاملون معها بوصفها أنثى، فقمعت شخصيتها النسوية بقص شعرها وإخفاء نتوءات جسمها، ولكن هذه الـ - حسن صبي - لا تستطيع إخفاء ما يعتمل في مشاعرها وكيانها، أما رفيف، بطلة رواية سحر خليفة، فلا ادري لماذا تجاوزت الباحثة بداياتها كما ظهرت في الرواية الأولى - الصبار - وتفرغت لشخصيتها كما ظهرت في رواية عباد الشمس، داعية نسوية Feminist بأداء تصل به المبالغة حد المطالبة بنصف المجلة التي تعمل فيها، لأن المرأة نصف المجتمع، ولأنها امرأة. ولكننا سنتفق إلى حد التطابق مع الباحثة التي وجدت في شخصية سعدية، إحدى بطلات عباد الشمس، واحدة من أهم الشخصيات النسوية المبنية واقعيا ومنطقيا ودراميا. فهي امرأة مناضلة تعي - على بساطتها - موقعها من المجتمع ودورها فيه.
وقد خلصت الباحثة إلى أن الشخصيات في هذه الروايات تعكس الرغبة في البحث عن أسس جديدة للعلاقة بين الرجل والمرأة من قبل الروائي الذي ينعكس موقعه الأيديولوجي على كتاباته. وإذا كان هذا صحيحا فإننا نتساءل عما إذا كان موقع الكاتب الاجتماعي ينعكس أيضا على شخصياته، والواقع أن روائيينا، بحكم اندراجهم في البورجوازية الصغيرة هم متشابهون من حيث الموقع الاجتماعي، واختلافات رؤاهم أيديولوجية أكثر منها نسخا ميكانيكيا لواقعهم الاجتماعي. فقد أخذت على زياد، بطل رواية رشاد، البكاء على صدر الحبيب، انه صدم باعتراف زميلته فجر بأنها فقدت عذريتها. والواقع أن اعترافا كهذا في مجتمع شرقي لا يصعب أن يشكل مفاجأة، ولكن النتيجة أن زيادا حافظ على احترامه لفجر وظلت تواصل دورها الايجابي في الرواية حتى اللحظة الأخيرة، وأوقعت الباحثة ظلما بيناً على يحيى يخلف عندما اعتبرت روايته نشيد الحياة مسحا سطحيا لمجتمع مدينة الدامور. فالواقع أن المجتمع الذي يعاينه يحيى هو عينة من المجتمع الفلسطيني الذي كان في الدامور، وقد انصب اهتمامه على التحولات السياسية فلم يول اهتماما لعلاقة الرجل بالمرأة إلا في الحدود الواقعية المألوفة، وبالتالي فمن الصعب قبول ما قررته الباحثة من أن المرأة الفلسطينية مغيبة في هذه الروايات وإلا فأين النساء اللواتي اعترفت لهن بالحضور مثل سعدية ورفيف وجنات وفجر وهنا ودهرية؟
وللمناسبة، لم يكن من العدل وضع الروايات كلها في ميزان واحد. فرواية حبيبتي ميليشيا لتوفيق فياض جاءت مسلوقة، لا تعبر عن القيمة الحقيقية لهذا الكاتب الذي كان خارجا لتوة من فلسطين، وليس على اطلاع دقيق على أوضاع المقاومة، فصدق ادعاء السيدة التي أصبح اسمها في روايته دهيرة، ولا أظنه مقتنعا بها الآن وهو بيننا وعلى معرفة بالبشر والوقائع.
وناقد ومنقود
استأذنكم في تأجيل مراجعة الفصل الذي كتبته الباحثة حول الفلسطيني الأسطورة، ريثما أتابع خطتها في قراءة القواسم المشتركة للروايات التي تناولت الواقع الفلسطيني في لحظة تاريخية محددة. إذ تجمع الباحثة، كعادتها، عددا من الروايات، هي خمس هذه المرة بالإضافة إلى روايات سبق ذكرها في مجالات مختلفة. وغايتها في هذه الجولة أن تضبط الموقف الاحتجاجي النقدي للروائيين الفلسطينيين داخل البيت الفلسطيني. وهذه الروايات هي: الرب لم يسترح في اليوم السابع: رشاد أبو شاور - شمس الكرمل: نواف أبو الهيجاء - مخلفات الزوابع الأخيرة: جمال ناجي - العدوى: وليد أبو بكر - الغرف الأخرى: جبرا إبراهيم جبرا.
فتقول ان روايات رشاد تتضمن نقدا للفساد والإثراء غير المشروع والبذخ في أوجه بعيدة عن النضال، وممارسات جهاز الـ 17 وكذلك خوف القيادة من المثقف الواعي لأنه يشكل خطرا على مصالحها ويهدد وجودها. إلا أنها تلخص رؤيتها لهذا النقد بأنه - يعتمد على الأخبار المباشرة من خلال السرد، لا على تصوير الوقائع والأحداث، فظهر موقع الكاتب مكشوفا. وهو واضح في البناء الروائي لأنه ضعيف فنيا - ولا أدري ما إذا كانت صفة الضعف الفني ملائمة لهذا التقويم، لكن الأكيد أن نبرة رشاد الخطابية جاءت عالية، حتى أنه في رواية الرب لم يسترح في اليوم السابع، لم يتردد في التشهير بأشخاص حقيقيين أورد أسماءهم كما هي في الواقع بصريح العبارة. وربما كنا لنتفهم ذلك لو أنه كتب نصوصا تسجيلية أو اعتمد الرواية الوثائقية، لكنه أدخل وجهة نظره المحددة في بنية الخيال الروائي، فلم تكن النتيجة واقعية ولا هي خيالية تماما.
أما رواية شمس الكرمل لنواف أبي الهيجاء، فقد لاحظت الباحثة أنها رواية ليست على تماس مباشر بالواقع الفلسطيني، فجاءت تحمل أفكارا وملاحظات أكثر منها معايشة ومعاناة، حتى لو أن الكاتب كان محقا في بعض هذه الملاحظات كانتقاده التشرذم الوطني وغياب التنظيم القومي الطبقي العلمي الذي يستطيع أن يحلل الواقع بشكل علمي وموضوعي على حد تعبير نواف.
من جهة ثانية، اعترفت الباحثة لرواية مخلفات الزوابع الأخيرة ومؤلفها جمال ناجي، بالقدرة على نقد الواقع من خلال تصوير عالم آخر مواز للواقع ومعبرا عنه باستعمال الوسائل التي تمكنه من التعبير. فتميز السرد بقدرته على إنتاج دلالاته من خلال الراوي العليم بكل شيء، الممسك بأحكام بزمام السرد التصاعدي.
أما رواية العدوى لوليد أبي بكر فرأت فيه رمزا يجعل مرض السل موازيا للخلل في بنية الواقع، فهي رواية - في رأي الباحثة - تشخص الداء وتصف له الدواء. والواقع أن السل ليس رمزا كافيا ينهض بمهمة النقد التي لا نطالب بلغتها المباشرة، ولكننا على الأقل نحدد خطوطها العامة. صحيح أن الكاتب يقول إن ضعفنا يكمن فينا، بل صحيح أن الرواية متينة البناء، ولكن هذا أمر والمعالجة الروائية للنقد أمر آخر.
ولا أدري ما الذي دفع الباحثة إلى اعتبار رواية الغرف الأخرى لجبرا ضمن روايات النقد الفلسطيني. ولعلها لجأت إلى ذلك لأنه عز عليها إلا تجد موقعا لكاتبنا الكبير في هذا المجال، فالغرف الأخرى رواية بارعة تتضمن صرخة وجودية من مبدع فلسطيني يريد الاعتراف بإمكاناته حقا لا بما يتخيله الآخرون. والشخصيات النقيضة - مثل عليوي وغيره - ليست شخصيات فلسطينية حتى نقول إن الكاتب يمارس النقد الذاتي، بل هم رموز مجردة للآخر الذي يستحيل الوصول معه إلى قاسم مشترك في جو الغربة واللاتلاؤم والتوحد.
بعد أن أنهى الأستاذ ناهض عرض الورقة فتح باب النقاش وكان الأديب الروائي غريب عسقلاني مداخلا رئيسيا في الجلسة أضاف لها الكثير ووضح فقال: نحن نعيش أزمة الدارس وليس أزمة الدراسة، لقد عودنا الأكاديمي العربي بشكل عام أن يكون قد وضع نفسه مع سبق الإصرار في أصغر حيز يمكن أن يتيح له الحركة حتى ينتهي من أطروحته ويقدمها للنشر، لذا فإن الباحث الذي يقدم أطروحة لنيل درجة يجعل كل همه في أن ينجز موضوعا محددا ثم يمضي، وبذلك لا يكون الباحث الشمولي المؤرق بالأسئلة على ما يجب أن تكون الأسئلة، وأعتقد أن الأخت رئيفة شبلاق وقعت في هذا المأزق فكانت نموذجا للباحثة المتعجلة التي تريد أن تنجز أطروحتها على ما تيسر لديها من نصوص مكتوبة، لأن الروايات التي اختارتها شملت أسماء محددة وكأنها عينة ثابتة للرواية الفلسطينية، وأوحت للمتلقي بأن هذا هو المشهد الروائي.
ما وجه القصور في هذه الدراسة؟ من وجهة نظري الآتي:
أولا: الدراسة كما ورد في مداخلة الأستاذ أحمد دحبور تنتهي زمنيا حتى عام 1990، بمعنى أنها يجب أن تتناول كل الروايات التي كتبت من مطلع القرن الفائت حتى العام 1990 بمعنى أن لديها مساحة زمنية على امتداد تسعين سنة، هل استطاعت رئيفة أن تختار الأعمال الروائية لهذه الفترة الممتدة والتي تمثل روح هذه الفترة حتى تستنبط منها روح المجتمع لتعرف مقدار ما آلت إليه الظروف؟ وما هي محددات التغيير؟ هذا سؤال كبير، لذلك وجدت نفسها دون أن تدري واقعة في منطقة الإرباك والارتباك، هذا ما يدل على أن الدراسة في مضمرها دراسة مرتبكة.
ثانيا: كل ما اعتمدت عليه الكاتبة من روايات هي مطبوعات ومنشورات إما منطقة دمشق أو بيروت، ولا يوجد أي رواية مما ذُكر في الدراسة طبعت خارج هذه الأماكن وبالتالي صودر على المتلقي الفلسطيني جغرافيا كل ما صدر خارج حيز الاهتمام بعاصمتي سوريا ولبنان، بمعنى خارج حيز الإمكانيات الفلسطينية الرسمية للطباعة والنشر، فمنها روايات طُبعت عن الإعلام الفلسطيني الموحد، ومنها روايات طُبعت عن إعلام الفصائل، ومنها روايات طُبعت في دور نشر خاصة لأن أسماء أصحابها مرتبطة بالفصائل، ويمكن تصنيف بعض الحالات:
غسان كنفاني شهير وتتهافت عليه دور النشر لأنه قيمة رمزية ووطنية ونضالية ورمز لحركة القوميين العرب، يحيى يخلف ارتبط اسمه باتحاد كتاب فلسطين وهو من كوادر فتح، رشاد أبو شاور من مناضلي الثورة ويمثل أحد رموز الفصائل، حسن حميد يعمل مع اتحاد الكتاب العرب في سورية، أما نواف أبو الهيجا فهو ذلك الكاتب الفلسطيني البعثي اللامع في بغداد، أما جبرا إبراهيم جبرا فهو كإميل حبيبي علامات بارزة على جبين الأمة العربية والناس ودور النشر تخطب ودّهم، أما ليلى الأطرش، فهي تلك الروائية الجميلة جدا والواعدة جدا والتي ظهرت في أفق الرواية بوقت متأخر جدا، حيث لمع اسمها وهي الإعلامية الجميلة الرائقة والمثقفة، لكن ظهرت روايتها بوقت متأخر أي أنها مسبوقة في المنتج الروائي، وهذا إرباك جديد، لذلك أنا أعتبر أن معظم النتائج التي آلت إليها دراسة الأخت رئيفة شبلاق هي نتائج مُلتبسة، يشوبها كثير من الخلط وكثير من الإرباك والإرتباك/ هذا على جانب الباحثة.
أما على جانب المقدم الباحث الأستاذ أحمد دحبور فإنه لم يضئ الإضاءات التي تُعدّل إحباطات وإخفاقات الدراسة، وبالتالي كاد أن يقع في منطقة الالتباس التي وقعت فيه الباحثة، فلم يُشر للمنتج الروائي في المشرق والمغرب العربي، فلدينا في المغرب أكثر من عشرين رواية كتبت في بلاد المغرب العربي من الجزائر وتونس والمغرب حتى ليبيا، قدم الروائيين محاولات لكن إعلاميا لم يُقدّر لها أن تدرس الدراسة الكافية، هذا عيب، يجب على الباحث أن ينبش عنها ليضيئها فهذه مسئولية الباحث وليست مسئولية القارئ العادي أن يبحث عنها، هذه الأعمال المغمورة تحتاج لباحث كي يأخذ بيدها، وإليكم نماذج: رواية أربعين يوما في انتظار الرئيس للدكتور أفنان القاسم عبارة طُبعت في الجزائر عن تجربة حقيقية، وبشرت بالانتقاد الفلسطيني الداخلي لمسلكيات الثورة الفلسطينية، هذه الرواية حوربت ولم تُنشر، رواية عين المرآة لليانة بدر طباعة دار طوبقال بالمغرب، وكذلك الرحلة الأخيرة لهشام شرابي التي تتحدث عن يافا، وكل مُنتج الرواية في أراضي عام 48، ـ باستثناء روايات إميل حبيبي ـ لا أحد يعرفها، فمن يعرف فائد أبو خضرة؟ من قرأ رواية عيسى اللوباني، مَن تكلم عن رجاء بكرية؟ مَن تكلم عن أعمال شوقية عروق؟
هؤلاء روائيون كتبوا روايات سواء أكانت كبيرة القيمة أم قليلة، لابد أن تُضاف للأجندة الفلسطينية عند التوثيق، فلا يصح أن تُختزل الرواية الفلسطينية بـ 18 عمل، كلنا يعرف أن أحمد عمر شاهين رصد في موسوعة كُتَّاب فلسطين حتى عام 2000م حوالي (560) رواية فلسطينية، فهل يمكن أن نختزل المشهد الفلسطيني الروائي بـ 18 عمل، على الكاتب أن يؤسس مسبقا معرفة بجميع الروايات، عندما أتخصص في الرواية لابد أن يكون لدي إطلالة كاملة عن المنجز الروائي لأتمكن من اختيار النماذج الروائية التي تخدم دراستي، كيف أتحدث عن تحولات المجتمع الفلسطيني في الرواية دون أن أورد أي رواية تقدم المخيم الفلسطيني في غزة أو الضفة الفلسطينية لأعرف كيف تحولت القيم في هذا المجتمع تحت الاحتلال الإسرائيلي. هي تتكلم عن تحولات المجتمع في الرواية الفلسطينية، فلماذا لم تشر إلى ما انتاب المجتمع الفلسطيني من تحول وتبدل في القيم والعادات نتيجة انصهار مختلف المدن والقرى والبدو في بؤرة اسمها المخيم؟ كان عليها أن تشير إلى أن هذه الدراسة مقتصرة على فلسطينيي الخارج.
في الختام أقول شكرا لرئيفة لأنها بذلت جهدا، واستدراكا لعمل رئيفة لأنها وقعت في منطقة الالتباس، وشكرا لأحمد دحبور لأنه أضاء بعض إخفاقات رئيفة، ولا شكرا لكل مَن يُهمش المجهود الروائي الفلسطيني.
عقب الأستاذ ناهض قائلا: أبو سامر نقد الورقة باستفاضة لكن أعقب على ما جاء في حديثه عن النقد الأكاديمي، بأنه لا يستطيع أي باحث أن يُعقب على كل ما صدر من رواية فلسطينية فالدراسة لا تتسع، صحيح أن الروايات الفلسطينية بلغت حتى عام 2008 نحو (750) رواية فلسطينية مكتوبة فكيف لباحث أن يتناولها جميعا في دراسة واحدة
لو نظرنا للرواية الأولى (الوارث) لبيدس 1920م، وإن كانت مسبوقة بإرهاصات منذ عام 1876م حيث كانت هناك رواية نشرت متسلسلة في صحيفة الأهرام المصرية وكان اسمها (البنون في حب مانون) لميخائيل عوض، رئيفة بدأت كتابها من الرواية الصادرة بعد عام 1967م، واختارت هذه كنماذج لدراسة الواقع بحكم علاقتها بالخارج، هي لم تعش في غزة أو فلسطين، ولا تعرف ما كتب في فلسطين، اللوم لا يقع على الباحثة إنما يقع على المؤسسة الثقافية الإعلامية الفلسطينية التي لم تتحدث عما يُكتب في الأرض المحتلة التي كانت مهمشة من الاحتلال ومن المؤسسة الفلسطينية، نحن لا نلوم الباحثة لأنها لم تعرف أول روايات عبد الله تاية أو غريب عسقلاني و قد ظهرت كتاباتهم عام 1969م، بل أكثر من ذلك: لدينا رواية (على الدرب) صدرت في غزة عام 1964م لزكريا تامر، وأول مجموعة قصصية كانت بعنوان دم على الجدار لجلال عناية كانت في العام 1964م، ومحمد جاد الحق كتب عام 1958 رواية متى نعود؟
كنت أتمنى على الأستاذ أحمد ـ وقد قرأ الكتاب ـ أن يشير إلى أن هناك واقع ومجتمع فلسطيني آخر لم يدرس وهو مجتمع غزة والضفة.
ويسأل المهندس نزار الوحيدي: ما الرواية التي يمكن أن نصنفها على أنها رواية فلسطينية، هل لو كتب غير الفلسطيني عن فلسطين تعتبر رواية فلسطينية، أم أن الفلسطينية فقط هي التي كتبها فلسطيني؟
أجاب الأستاذ ناهض بأن الرواية الفلسطينية هي التي كتبت من فلسطيني ولو كان يقيم خارج فلسطين، أو كانت مكتوبة بلغة غير العربية، فهي فلسطينية، في القريب سيصدر كتاب أعددته وفيه أن لدينا ما يزيد عن سبعمائة رواية وثلاثمائة روائي فلسطيني، موزعين في الكرة الأرضية من الأرجنتين لدمشق، لابد من تسليط الضوء عليهم والاهتمام بكتاباتهم.
أما الدكتور مصطفى عبد الشافي: فقال لا أحد يستطيع التعبير عن فلسطين كالفلسطيني نفسه، الآخرين يكتبون تاريخا بلا مشاعر أو عواطف. يمكن القول أن أكثر كاتب عربي كتب رواية تعبر عن قربه من الفلسطينيين هو إلياس اسكندر خوري في روايته باب الشمس كان أفضل من عبر عن فلسطين، وأنا أجزم بأن هذه الرواية لو حاول فلسطيني أن يكتبها لن يستطيع، هذا شخص عاش في مخيمات لبنان وكان فلسطيني أكثر من الفلسطينيين وكانت روايته تعد من أروع الروايات الفلسطينية.
ورد عسقلاني على السؤال نفسه مستدركا فقال: إن أنطوان شلحت كتب رواية(أرابيسك) وهي رواية بكل مواصفات الرواية الفلسطينية وهي رواية مقاومة رغم أنه كتبها عن الانتفاضة في منطقة الضفة الغربية، كتبها بلغة عبرية لم يستطع حتى الآن كاتب إسرائيلي أن يكتب أجمل منها، أراد شلحت أن يعلم الإسرائيليين بأننا من العبقرية بحيث نتقمص لغتكم أكثر منكم.
الشاعر نصر شعت: علينا أن نضع الأمور في نصابها وننظر للعمل الذي قدمته رئيفة شبلاق نظرة لا نحملها بكل الصور التي جاءت ممن قرأ الرواية الفلسطينية بشكل عام وشمولي، بكل الأحوال لا يمكن لأحد أن ينكر أن رئيفة قدمت جهدا، وإن كانت هناك مثالب أو قصور ما، فيمكن أن نعزيه لكونها باحثة والباحث يهدف من بحثه إما الحصول على درجة علمية أو أن يضيف للمكتبة العربية أثر ما، وقد فعلت.
وبخصوص ما كتبه الشاعر أحمد دحبور فهو من عاداته أن يقدم إضاءات على الكتب، بمعنى أنه لا يحتاج للإطالة لأن المادة التي يكتبها ستذهب في النهاية لصحيفة وهي صحيفة الحياة الجديدة، فهو يتناول العمل بما يشبه النقد العملي، فلا يسبر غور الكتاب، ولا يذهب إلى مذاهب بعيدة جدا يأخذ معه القارئ إليها، إنما يراعي قدرا من البساطة والتسهيل فيها، والإضاءة الكافية التي لا تنطوي على غموض ما.
أما عن الرواية الفلسطينية فقال شعت: طبعا هي الرواية التي كتبها فلسطيني، فإذا كانت الرواية تتعلق في كيفية رصد هذا الروائي لطبيعة التحولات في بنية المجتمع الفلسطيني الداخلي يجب أن يكون معايشا له، لقد قرأنا روايات تتحدث عن المكان وكانت فيها إخفاقات كثيرة، فهؤلاء الروائيون كتبوا عن المكان باستدعاء هذه اللحظات وهذه الجماليات عن المكان من الذاكرة في حين أن الواقع الذي نعيشه الآن مختلف كثيرا عما يوصف من أفراد خارج المكان، لذا أرى أن خير من يترجم هذه التحولات هو الكاتب والروائي الذي يعايش هذه التحولات سواء في غزة أو الضفة الفلسطينية أو العمق الفلسطيني.
علق الأستاذ ناهض قائلا: كلام جميل جدا لكن ما نريده والمطلوب من الأكاديميين وأساتذة الجامعات أن يوجهوا الطلبة لهذا الإرث العظيم، وهذه الدراسات المهمة جدا، فكثير من النقاد والباحثين والفلاسفة يقولون إذا أردت أن تفهم مجتمعا ما: اقرأ رواياته، وعندما حاولت أمريكا دخول اليابان طلبت من روائييها وكتابها أن يقرءوا الرواية اليابانية، لم يقولوا اقرءوا سياساتهم ولا مقالاتهم وكتاباتهم، لأن الرواية هي التي تعبر عن المجتمع، وتتحدث عن ذات الكاتب ورؤيته للمجتمع، عن المجتمع نفسه إذا كان يتحدث بأسلوب مغاير لأسلوب الذات، الرواية مهمة جدا فهي تعبر عن واقعنا الفلسطيني.
وأضاف: في أحدث دراسة لي كتبت عن بنية النكبة ووجدت أن الرواية الفلسطينية عبرت عن النكبة بكل ما يتعلق بالنكبة من أول طلق رصاص حتى آخر رحيل وبناء المخيم، حتى تفاصيل بناء المخيم جاء في الرواية مفصلا، فروايتنا الفلسطينية تعتبر وثيقة تاريخية وليست مجرد قراءة فنية ممتعة فقط.
كتبها فتحية ابراهيم صرصور في 11:29 صباحاً ::
الاسم: فتحية ابراهيم صرصور
