بسم الله الرحمن الرحيم
تطورات المجتمع في الرواية الفلسطينية
عند الخامسة من بعد عصر الثلاثاء الأول من يوليو 2008م كان اللقاء الشهري لصالون نون الأدبي، بدأت الأستاذة فتحية صرصور جلستها بالترحيب فقالت: الحضور الكريم أهلا وسهلا بكم في لقاء جديد ومتجدد من لقاءات صالون نون الأدبي، بعد أن أضأنا معكم الشمعة السابعة تأتي جلستنا هذه من جزأين الأول دراسة نقدية، والثاني استكمالا لاحتفالنا وعن وعد منا لمن لم يتسع لهم الوقت في الجلسة الماضية لإلقاء قصائدهم، سنخصص جزء من جلستنا للشعر.
أما الدراسة فتحمل فلسطين بين حناياها، فالكتاب يتناول تطور المجتمع الفلسطيني في الرواية الفلسطينية، والكاتبة رئيفة فضل شبلاق فلسطينية مقيمة في لبنان، وهي ناشطة في العمل بالاتحادات النسائية الفلسطينية، أما مقدم الدراسة فهو الناقد الشاعر أحمد دحبور ابن فلسطين، ... لكن وكما هو حال الفلسطيني دوما؛ لا يستطيع أن يخطط حتى ليومه، لقد فتحت للشاعر الطريق ليسافر إلى سوريا ليرى أهله وحفيده، ولأنه لا خيار له في تحديد الموعد اضطر للسفر بالأمس لرام الله ومنها لسوريا، فيعتذر ونعتذر لكم عن هذا الحال التي نخضع له مكرهين.
كان الأستاذ أحمد كعادته يسلمني المادة قبل موعد الجلسة لأتمكن من تجهيز التقرير في السرعة الممكنة، وعليه فإن المادة بين أيدينا وسيقوم الناقد الأستاذ ناهض زقوت بتقديمها، فلنرى سويا كيف قرأت رئيفة تطورات المجتمع من خلال عينة مختارة لثمان عشرة من الروايات الفلسطينية، رصدت فيها نمو الوعي لدى الشخصية الفلسطينية منذ مطلع النكبة، ثم رصدت الطفولة والجنس في الروايات، وإن كانت الكاتبة اقتصرت على عدد قليل من الروايات التي أخضعتها للدراسة فإنها استثنت روائيي الداخل في غزة والضفة وأراضي العمق الفلسطيني، لذا نجد الدراسة قاصرة، ومع ذلك سنعرف ما رآه دحبور في هذه دراسة.
بدأ الأستاذ ناهض زقوت قائلا: لا أدعي أنني سأقوم مقام الشاعر أحمد دحبور الذي لو كان موجودا لأغنى الدراسة، إلا أنني سأقوم بعرض دراسته التي كتب فيها:
رئيفة شبلاق تقرأ تحولات المجتمع في الرواية الفلسطينية
خلال العقدين اللذين أعقبا هزيمتنا المرة عام 1967، تلاحقت الجهود الروائية الفلسطينية، بما يشبه ردة الفعل لتأريخ استكمال النكبة التي بدأت عام 1948، وإذا كان الشعر والقصة لم يتوقفا عن أداء هذا الدور على أيدي جبرا إبراهيم جبرا وسميرة عزام وغسان كنفاني وأبي سلمى ويوسف الخطيب وكمال ناصر، وصولا إلى شعراء المقاومة في الوطن والشتات، فإن الرواية الفلسطينية قد انبثقت بما يشبه نارا كانت كامنة تحت الرماد، وغطى الثلاثي الشهير، جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني على كثير من المحاولات الروائية التي تستحق القراءة والدراسة مرتين، مرة: لذاتها بما هي جنس أدبي رأى الفلسطينيون أنه حان وقته ليضيف إلى الشهادات الشعرية أمانة التوثيق حيثية السرد، ومرة: بما في هذا السرد من حقائق وبعاد تحتاج إلى قراءة عيانية.
وقد انتبه النقد، بانتقائية وعلى استحياء أولا، إلى هذا الضرب من التعبير والمكاشفة في الأدب الفلسطيني، ثم كان لا بد من الاستغراق فيه ودراسة مكوناته، حتى أن الموسوعة الفلسطينية قد أبدت اهتماما ملحوظا بهذا الجنس الأدبي وما حققه الروائي الفلسطيني خلاله من حضور يتداخل فيه التاريخ بالدراما.
وفي هذا المجال جاءت محاولة الباحثة الناقدة الفلسطينية رئيفة شبلاق، عام 1990، تحت عنوان - تحولات المجتمع في الرواية الفلسطينية- كانت قد تقدمت بهذه القراءة في مضمار دراسة أكاديمية، ثم أفردت لها كتابا مستقلا لتعميم الفائدة، ونحن بطبيعة الحال، نتعامل مع هذه القراءة - الدراسة ككتاب في المقام الأول. مع أنه يلفتنا - وربما يصدمنا- أن الكاتبة قد ركزت جهدها، الكبير الموفق إلى حد بعيد، على تحليل الروايات الفلسطينية والتعمق في شهادة هذه الروايات على النكبة وتوابعها، فجاء ذلك، أحيانا، على حساب الدقة التاريخية، حتى أنها رأت في غسان كنفاني أول امتداد مباشر للجهود الروائية العربية التي سبقه إليها نجيب محفوظ، غير ذاكرة على ما يبدو أن تاريخ أول رواية لمحفوظ، وهي عبث الأقدار، يعود إلى عام 1939، بينما سينتظر المؤرخ الأدبي إلى عام 1963، حتى يكتب الشهيد كنفاني روايته الأولى، رجال في الشمس، وهكذا بجرة قلم تختزل أربعا وعشرين سنة من عمر الرواية العربية ظهر خلالها جيش بأجيال متتابعة من الروائيين العرب.
وتزل الكاتبة في التدقيق التاريخي المجرد، عندما تشير إلى أن المجاهدين الفلسطينيين قد تطلعوا في بداية انطلاقتهم إلى ما تسميها حرفيا - بالقيادة العليا المتمثلة بالشيخ أمين الحسيني سياسيا وعز الدين القسام عسكريا- ومعروف أن القسمة لم تأخذ هذا المنحى بين سياسي وعسكري، فالحاج أمين الحسيني كان رئيسا للهيئة العربية العليا التي حققت قدرا من الاعتراف الرسمي العربي المشفوع بالاستقطاب الفلسطيني بينما انبثقت ظاهرة الشيخ الشهيد القسام كثورة شعبية آتت أكلها بعد استشهاد القسام نفسه، ولم تكن الثورة عسكرية بالمعنى المتعارف عليه، بل إن الشهيد القسام قد انطلق في عمله الفلسطيني بعد استئذان الحاج أمين الذي وفر له وظيفة خطيب في جامع الاستقلال ومأذون شرعي جوال، ما أتاح له الاتصال بقطاعات واسعة من الشعب، إلا أن هذا ليس موضوعنا في هذا السياق، وإذا كان الموضوع الرئيس هو تحولات المجتمع كما قدمته الرواية الفلسطينية، فإن الدقة تلزمنا بأن نميز بين التاريخ الزمني الذي ظهرت فيه هذه الروايات، والزمن التاريخي الذي عاش خلاله أبطالها، واستبعادا لأي التباس نشير إلى أن وعي رئيفة شبلاق لم يفارق هذه الحقيقة، بل إنها تورد الرواية التي تتصدى لها مقرونة بتاريخ كتابتها والتاريخ الذي عاشه أبطالها.
مطلع النكبة
تنتقي الباحثة أربع روايات فلسطينية من الفئة التي عنيت بتقديم صورة الوضع الشعبي - المقاوم عشية النكبة، هذه الروايات هي أيام الحب والموت: رشاد أبو شاور- بير الشوم: فيصل حوراني- طبر صف والزينية: عدنان عمامة- السواد والخروج من البقارة: حسن حميد، ومن يعرف مؤلفي هذه الروايات عن كثب، يعلم إنهم استلهموا مأساة سقوط قراهم الشخصية أو ما حولها غداة النكبة، ولما كانت أعمارهم - أكبرهم فيصل وهو من مواليد 1939، أي انه كان في التاسعة من عمره يوم النكبة- لا تسمح لهم بالشهادة الشخصية على ما جرى، فلنا أن نتوقع أنهم أفادوا من الشهادات الشخصية لكبار السن الذين ما زالوا أحياء، فضلا عن مراجعة التجربة المرة كما دونها المؤرخون والمحللون، وعلى اختلاف مواقع الروائيين الذريعة، نجحت الباحثة في التقاط القاسم المشترك الذي سجلوه في رواياتهم واعتمدوه سببا لما جرى، فرأت أربعة عناصر تشكل جسم هذا الواقع المشترك، بدءا بأن الوقائع جرت في القرى، وبالتالي فإن الفلاحين البسطاء هم أبطال هذه الروايات، وساعد على تعميق الانتباه إلى هذه الحقيقة اعتماد الكتاب على اللهجة الدارجة والنبض الشعبي الذي لا يخفي، والعنصر الثاني أن أبطال هذه الروايات، محمد المرابع عند رشاد، وأبو جهاد عند فيصل، وحمودة عند عدنان، والفرفحيني عند حسن، هم شخصيات ايجابية قادرة على استقطاب البسطاء، وهي ذات أبعاد إنسانية - ولا سيما الفرفحيني الذي يتطور دراميا من الضعف إلى نمو الوعي ووضوح نقاط القوة، - وما كان لهؤلاء الأشخاص أن يكونوا مؤثرين لولا أن الفلاحين وجدوا فيهم صورة مثالية لأنفسهم كما يودون أن تكون، أما العنصر الثالث فهو أن الأماكن في هذه الروايات حقيقية، فرواية رشاد تدور في إحدى قرى قضاء الخليل التي ينتمي إليها، واختار فيصل قرية بيت دراس المعروفة كقناع لقريته المسمية والقريتان من قطاع غزة، ورواية عدنان تدور في قرية طبر صف القريبة من قريته سمخ على ضفاف بحيرة طبريا، أما حسن حمد فقد جعل أحداث روايته تدور في قريته المباشرة: البقارة، أما أبطال هذه الروايات وان كانوا من مخيلة الروائيين، إلا إنهم مستلهمون من الواقع، تصفهم الباحثة بأنهم - ليسوا شخصيات فردية متميزة فقط، بل إنهم يقتربون من الشعبية- ويبقى العنصر الأخير الذي أجمعت الروايات المذكورة عليه، وهو أن السرد يعتمد على راو واحد هو الكاتب نفسه أحيانا كما في بير الشوم، أو الصوت الشعبي كما في أيام الحب والموت، أو أن السارد يتميز بالتنوع بين الحوار وما يشبه الغنائية كما في طبر صيف والخروج من البقارة.
إلا أن هذا المشترك لم يمح خصوصية كل رواية على حدة، من حرارة الحضور الشعبي المشوب بالغضب كما لدى رشاد، إلى تأني التحليل والتعمق في البواعث كما لدى فيصل، إلى الاسترسال في التاريخ الشفوي كما لدى عدنان، إلى النمو الدرامي كما لدى حميد، أما رسالة هذه الروايات فهي أن الفلاحين الفلسطينيين كانوا مخلصين في جهادهم وبذلهم، يعيقهم التخلف والثقافة السائدة التي تنجب أداء تقليديا، بينما كان العدو متميزا بالقوة والتنظيم ولم يفت الباحثة أن تشيد بسلاسة الحوار كما ظهر جليا في رواية بير الشوم حيث اللغة - ضاربة في جذور العادات والتقاليد الشعبية الفلسطينية، لغة تنساب انسيابها بلا تكلف أو صنعة، ولأنها كذلك فقد أضفت على الرواية ميزة خاصة - وما قيل في بير الشوم ينسحب على الروايات الثلاث.
بطولة الطفولة
والآن أمامنا، أو بتعبير أدق أمام الباحثة، أربع روايات ترصد الطفولة الفلسطينية وهي في مهد النكبة: تفاح المجانين ليحيى يخلف، وقت لجمال ناجي، الفلسطيني لحسن سامي يوسف، وتشرق غربا لليلى الأطرش.
ويمكن القول إن هذه الروايات، باستثناء الأخيرة منها، اقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية، ولكننا لا نقيس العمل الأدبي بالحجم، وان كنا نفترض بأن هؤلاء الكتاب لم يضطروا إلى نفخ رواياتهم ما دام أبطالهم صغار السن تسهل الإحاطة بعوالمهم الصغيرة بأقل قدر من التفاصيل، ويجمع بين هذه الروايات أن أبناءها، حتى لا نقول أبطالها، باستثناء رواية ليلى الأطرش، يعيشون في المخيمات، والزمن الذي يظللهم هو السنوات الأولى من عمر النكبة، وعالم المخيم هو الذي يقتحم وعيهم الغض قبل أن يكتشفوه، فبدر العنكبوت، ابن رواية يحيى يخلف، ينصب الفخاخ ويسرق البطيخ، ويصبر على عصا المعلم فهو عصي الدمع، أما شهاب، ابن رواية جمال ناجي، فهو يتجاسر حتى على نبيل الجسر الذي صار غنيا بعد أن أصبح أبوه عميلا للجيش المحلي، وينفرد عيسى، ابن رواية حسن سامي يوسف، بالتذمر والانطوائية والاحتجاج على الظلم الذي يتجسد له في كونه فلسطينيا، ويجمع بين هؤلاء الأولاد فقرهم الشديد وأنهم أطفال البؤس والفقر والذل والحرمان ولكنهم متميزون: بدر العنكبوت بقدرته على دخول الزير من غير أن يخاف سطوة الفورمن، وشهاب بتطاوله على ابن الجسر، وعيسى بعصبيته وعدم اقتناعه بالأوضاع التي تحيط به، وعلى مبعدة نسبية منهم تقف ليلى النجار، بنت رواية ليلى الأطرش المسيحية، التي تفضل العهد الجديد على العهد القديم في كتب الدراسة، لأن القديم يقص بطولات اليهود وهي ترى أن اليهود الذين اعتدوا على شعبها لا يستحقون هذه الإشادة، وتتدخل الكاتبة رئيفة شبلاق فتصف مشاعر هند النجار بأنها اكبر من وعيها، وان كلامها هو كلام المؤلفة ليلى الأطرش وقد وضعته على لسانها، وفي رأيي انه من الممكن جدا ان تتلعثم الطفلة هند النجار بهذه الأفكار، لا سيما وأنها، خلافا لأبناء، روايات يحيى وجمال وحسن، تعيش في فلسطين، فهي من بيت أمان، البلدة الموازية في الحياة لبيت ساحور بلدة ليلى الأطرش، فهي ترى المظلمة التي وقعت على أهلها ويمكن جدا أن تقارن بين يهود العهد القديم واليهود الذين يعيشون في فلسطين.
* وتستخلص الباحثة ما لا يختلف عليه قارئان من أن هؤلاء الأطفال - بمن فيهم هند النجار- قد خرجوا من عمق القهر، والبؤس، والقمع والفقر، هؤلاء، الأطفال الذين عاشوا واقعا مرا جعلهم يتساءلون، وجعل أسئلتهم تكبر وهم يكبرون معها، فينمو الوعي، وهو ما تتنبأ الباحثة، بالدراسة والمقارنة وقراءة التاريخ، أنه وعي سيتحول بالأطفال حين يكبرون من الذل إلى الثورة، والمتأمل لهؤلاء الأطفال يجد أن مؤلفيهم قد اكتشفوا فيهم بذرة التمر التي ستكون المدخل إلى حقبة جديدة من عمر التجربة الفلسطينية.
كتبها فتحية ابراهيم صرصور في 11:02 صباحاً ::
الاسم: فتحية ابراهيم صرصور
