بسم الله الرحمن الرحيم
المرأة في أدب غريب عسقلاني
عند الرابعة من بعد عصر الثلاثاء الثالث من فبراير اجتمع رواد صالون نون الأدبي في قاعة المؤتمرات بحرم جامعة الأقصى، بدأت الأستاذة فتحية صرصور اللقاء بتقديم تهنئة الحضور بالسلامة بعد انقضاء الأيام العصيبة؛ أيام الحرب على غزة، ثم قدّمت تهنئة بيوم المرأة العربية.
ومن ثم الشكر واجب لجامعة الأقصى هذا الصرح الشامخ الذي يدعم الثقافة والأدب من خلال إتاحة المكان لنا.
ثم قالت: أهل الأدب والثقافة، رواد صالون نون الأدبي، أهلا وسهلا بكم في اللقاء الأول من لقاءاتنا في عام القدس عاصمة الثقافة العربية نلتقي، وقد منَّ الله علينا بهذا اللقاء بعد أن كنا نعيش وضعا مجهولة عواقبه، فلابد أن نحمد الله على أن جمعنا بكم بعد زوال المحتل وانتهاء حرب الأعوام الأربعة البشعة بكل ما حملته لنا من مآسي وآلام وتدمير، فألف حمدا لله على سلامتكم جميعا، والرحمة للشهداء الأبرار وأمنياتنا الشفاء العاجل للجرحى البواسل والحرية للأسرى.
نلتقيكم في جلستنا التي كانت مقررة لشهر يناير وبنفس العنوان ذاته (صورة المرأة في أدب غريب عسقلاني) إيمانا منا بأن مواصلة العمل لون من ألوان الجهاد وجهادنا على الساحة الثقافية خير جهاد.
ضيفنا لهذا اليوم هو صاحب البيت ونحن ضيوفا عليه إنه الأستاذ الدكتور حماد أبو شاويش نائب رئيس جامعة الأقصى للشئون الإدارية والمالية والذي كان صاحب الفضل علينا بتوفير هذه القاعة لنمارس نشاطنا الثقافي في هذا الصرح العظيم صرح جامعة الأقصى الغراء، فكل الشكر والتقدير له وللمسئولين في إدارة الجامعة.
بعدها بدأ الدكتور حماد حديثه فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
بداية أشكر صالون نون، هذه الجماعة الرائدة في عالم الفكر والثقافة في هذا الوطن مرتين.
أولاً: لإتاحة الفرصة لي للقاء هذه الوجوه الطيبة للحديث عن المرأة في أدب غريب عسقلاني.
وثانياً: لما يقوم به صالون نون من جهود مخلصة صادقة وأنشطة فاعلة، تسهم دون شك في إثراء الحركة الفكرية والأدبية، وحراسة الكلمة المبدعة، والحفاظ على الذاكرة والهوية الوطنية في ظروف قاسية صعبة لا تخفى عليكم.
وإنني باسمي وباسم مجلس جامعة الأقصى، نرحب بكم في رحاب الجامعة أجمل ترحيب، ونثمن مثل هذه المبادرات الطيبة، كما ونثمن حضوركم الذي يعكس الحرص الصادق على تشجيع الإبداع والفكر والثقافة.
نعود إلى موضوع المحاضرة أو الندوة وهو (المرأة في أدب غريب عسقلاني)، والسؤال الذي يطرح نفسه منذ البداية: لماذا المرأة؟ ولماذا غريب عسقلاني؟
- لماذا عند غريب عسقلاني؟
لأنه قامة عالية في عالم الرواية والقصة القصيرة في فلسطين، فهو كاتب مبدع يمتلك كامل أدواته الفنية، وأديب معروف، تمتد تجربته الأدبية على مساحة تقارب ثلاثة عقود أنجز خلالها أعمالاً مهمة تتمثل في: أكثر من تسع روايات، ويزيد عن ست مجموعات قصصية، ولا يمكن لدارس الرواية والقصة الفلسطينية والعربية أن يتجاوز أعماله الإبداعية التي تمثل نموذجاً للأعمال الجادة المتكاملة فنياً في الشكل والمضمون.
وهو كاتب واقعي ملتزم وتثبت أعماله الأدبية أنه كاتب متغلغل متعمق في واقع المجتمع، عارفاً بمكوناته وأحواله وقضايا الإنسان فيه.
- لماذا الحديث عن المرأة في أدب غريب عسقلاني؟
- لأن المرأة تمثل موضوعاً أساسياً ومؤثراً في الأحداث والبناء الفني وفي الرؤية الكلية في روايات وقصص غريب عسقلاني إلى الحد الذي وصلت فيه إلى كونها رمزاً للوطن.
- لما تشكله المرأة الفلسطينية من مكانة عالية وأثر فاعل في مسيرة النضال الفلسطيني، ولما قامت وتقوم به من دور مهم في واقع الحياة في مختلف المجالات.
- لأن الاهتمام بالمرأة وجعل لها دوراً يليق بها يمثل بعداً حضارياً وإنسانياً.
إنني اعتقد من البداية أنه من المهم الإشارة إلى صورة المرأة في الفنون والآداب، فتاريخ الفنون والآداب يشهد على أن تشكل صورة المرأة بدأً مع أول كلمة إبداعية فنية، شعراً أو نثراً، ومع تشكل أول صورة رسمها الإنسان على جدار كهف، أو نحتها في صخر، أو قدها من حجر أو خشب أو عاج، أي تشكلت صورتها الفنية مع تشكل الحضارة الإنسانية الفنية البدائية.
جاءت صورة المرأة الفنية من حيز المعبود والصنم والطوطم (إلهة الخصب والجمال) إلى حيز الملهمة للأدباء والفنانين، وقد زينت صورتها جدران الكهوف والمعابد والقصور، وبرزت ملامحها في الشعر والمسرح والتراث الشعبي والسيّر والبطولات والأساطير منذ آلاف السنين. (إلهة الخصب عشتروت، إلى آلهة الجمال فينوس إلى عنات وإيزيس)، ولكن النظر إلى المرأة وحضورها في الفنون والآداب تطور عبر العصور وفقاً لما مرت به البشرية من تطورات في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والحضاري.
كان حضور المرأة واضحاً في الأدب القديم: الإلياذة والأوديسة والإنياده والمسرح عند اليونان والرومان وفي الهند والصين وبلاد فارس وشعر العرب. وفي العصور الحديثة كانت الرواية الغربية ثم العربية محط الاهتمام بالمرأة وليس من قبيل المصادفة أن عام 1912م شهد أول رواية فنية بعنوان (زينب) لمحمد حسنين هيكل في بداية القرن العشرين.
أما عن مكانة المرأة على مستوى الرواية الفلسطينية، فقد كان الأمر غير مختلف عما هو عليه في الرواية العربية، غير أن لخصوصية الواقع الفلسطيني أثر واضح في هذا المجال.
هل هناك علاقة بين واقع المرأة في المجتمع وطريقة توظيفها في الرواية؟
يرتبط هذا السؤال بحال المرأة ومكانتها في المجتمع الفلسطيني ومدى حضورها أو غيابها عن المجتمع.
إنه من الصعب أن نفهم أن للمرأة الغائبة عن المجتمع حضوراً أساسياً في الرواية.
الحقيقة أن ما شهده المجتمع العربي بصورة عامة والمجتمع الفلسطيني بصورة خاصة من تطور في دور المرأة وفي مكانتها كان له أثره في مستوى حضور المرأة في الأدب وفي الأعمال الروائية خاصة.
هناك سمات ذات خصوصية فلسطينية نجح غريب عسقلاني في إضفائها على عمله الروائي، وبخاصة ما تجسد في شخصية المرأة في رواياته بدلالاتها المتعددة، فقد خالف الكاتب ما ساد لدى كتّاب الواقعية ممن يجعلون المرأة في الغالب ضحيةً للظلم الاجتماعي وللاستغلال الجنسي بما يشيه الحتمية، بحيث يقود الواقعيون بطلات رواياتهم إلى مصيرهن المأساوي.
ويلتقي غريب عسقلاني مع عدد من الكتّاب الذين طوروا النزعة الواقعية في رواياتهم كحنا مينا وعبد الرحمن منيف وغيرهما ممن جعلوا للمرأة دوراً واسعاً وفاعلاً في الحياة تجمع بين طبيعتها الأنثوية وواجباتها الإنسانية، فهي تشد من أزر الرجل وهي التي بدت محبة وفية صادقة، تحمل المشاعر والعواطف المتدافقة تجاه الرجل، فكانت مثالاً للوفاء والعطاء معاً.
إن واقع المرأة في فلسطين كان له انعكاس كبير على وجودها في الأدب عامة، وفي الرواية بصورة خاص، ولعل ذلك يستدعي الوقوف على ملامح من ذلك الواقع.
- فعلى المستوى الثقافي، شهدت فلسطين:
- أول اتحاد نسائي فلسطيني 1921 (برئاسة اميليا السكاكيني).
- اتحاد المرأة في مدينة عكا 1929، من أعضائه (اسمى طوبى) التي أخرجت مسرحيات عديدة ابتداءً من عام 1925 .
وعلى المستوى التعليمي:
- التحاق الطالبات بالمدارس من سنة 1919/1920 (2243 طالبة)، 1929/1930 (4782 طالبة).
- كلية دار المعلمات في القدس تأسست 1919م.
- دار المعلمات في رام الله تأسست 1935م.
- كلية البنات في القدس تأسست 1945م.
- طالبات في الجامعة الأميركية/بيروت من عام 1921-1946 (68 طالبة).
- وعلى المستوى السياسي:
- أول مؤتمر نسائي عن دور المرأة في مواجهة التحديات في 26/10/1929.
- في ثورة 1936، برز دور المرأة الفلسطينية على المستويين المدني والعسكري.
- المشاركة في مؤتمر المرأة العربية بالقاهرة 1938.
- في حرب 1948، تشكلت فرق نسائية للإسعاف ومساعدة الثوار.
- مع قيام منظمة التحرير عام 1964 أصبح للمرأة دور مهم.
- مع انطلاق الثورة عام 1965 أصبح للمرأة دور أكبر.
- سنة 1965، برز لها حضور من خلال أول مجلس وطني فلسطيني، وأول مؤتمر نسائي بالقدس.
- تجسد من خلال الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية دور مهم للمرأة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
- مشاركة المرأة في مقاومة الاحتلال سنة 1967، وفي العمل الفدائي وانتفاضتى الحجر والأقصى والحرب الأخيرة.
ولنتوقف قليلاً عند رواية نجمة النواتي وصورة المرأة فيها، قبل أن نقف عند صورتها في روايات أخرى لغريب عسقلاني.
في الغالب تقدم الرواية صورة ايجابية مشرقة للمرأة، وقد جسدت المرأة في صور متعددة منها: الزوجة والحبيبة، والفتاة وغيرها، وهذه الصورة التي قدمها الكاتب للمرأة تعكس مواقفه ورؤاه حول الوضع الإنساني العاطفي والاجتماعي والفكري والأيديولوجي، وسنرى أن المرأة في الرواية ليست دائماً هي المرأة الأنثى، وإنما تتحول أحياناً إلى رموز أخرى ذات دلالات سياسية ووطنية واجتماعية، فهي ترمز للوطن (زهرة)، كما نرمز للعطاء (كوثر وسناء) .
و تجسد أحياناً بعداً عاطفياً وإنسانياً، كما تمثل بعداً اجتماعياً (المرأة التي تتطوع ….. )
كما تسهم في توضيح دلالات أسطورية خرافات التقاليد ( الإنجاب).
وبرز للمرأة دور يتعدى القوالب البيولوجية والاجتماعية المرسومة في أذهان الكثيرين، حيث نجدها على امتداد الرواية تبحث عن سبيل تواجه به قسوة العالم الخارجي.
(كوثر) التي عاشت فصول النكبة واكتوت بنارها تجد نفسها ملزمة بالوقوف إلى جوار زوجها الذي اختارته، تنظف قوالبه المعدنية وأدوات مصنع قرميده.
(سناء) الفتاة المثقفة التي تعلن عن آرائها دون مواربة، تختار معايشة الناس، تدفع زوجها لكي يكتب القصيدة القريبة من وجدان الجماهير، وعندما تبدأ حرب 67، تنضم إلى صفوف المتطوعين في محطة استقبال الجرحى.
(صفية) زوجة حمدان حارس دفة لنش النواتي، تحلم بحوريات البحر، وتقوم بتوزيع خيرات البحر على الناس عندما تكون وفيرة، تبحث عن زوجها المجند في موقع المنطار، وتعثر عليه مصاباً.
الزوجة (كوثر وصفية) تفرح لفرح زوجها وتحزن لحزنه، وتحاول أن توفر له سبل الراحة والفرح والسرور.
(سناء) فتاة حالمة تنتظر عريس المستقبل بفارغ الصبر، تنتظر عودة المغتربين العائدين ببعض الثروة من أجل توفير نفقات الزواج.
وبدت المرأة ذات خصوبة تمد مجتمعها بالأبناء. "قالت زوجة شابة في بطنها طفل وفي حضنها طفل وعلى صدرها طفل"
- المرأة ككل شخصيات الرواية مرتبطة بالبحر , فهو أمل يبني عليه المؤلف طموح الشخصيات من اجل العودة للوطن الأم بحثا عن ماضيهم وذكرياتهم
- زهرة في الرواية هي الحبيبة وهي الوطن ( رمز للوطن ).
- زهرة التي عقد قرانها على النواتي مازالت تعيش هناك في الوطن الذي أصرت على البقاء فيه حتى يعود النواتي إليه وإليها، إنها الحبيبية التي احتفظ الحبيب بوصاياها.
لماذا كانت زهرة هي الحبيبة والوطن؟ لأنها تشبثت بالمكان والأرض، ولأن الحبيب لا ينقطع أمله في اللقاء بها والرجوع إليها ويدفعه الشوق للوطن والحبيبة إلى المغامرة بالعودة أكثر من مرة براً وبحراً.
- ويلاحظ خضوع المرأة للقيم والتقاليد في مجالات الزواج وغيره، فكوثر تتحدث عن حكايتها مع ابن عمها الذي منع الخُطّاب من طرق بابها، فابن العم ينزل العروس عن الفرس.
- أما عن الآخر (المرأة اليهودية شوشانا)، فإنها تتسم بسمات خاصة كالقوة والرغبة والقدرة على تحقيق مرادها على عكس شخصية المرأة العربية، تجندت لإسقاط النواتي، فوقعت في هواه وطاردته، وعندما لم يستجب لها، حرضت عليه الانجليز وفي ذلك تأكيد للعلاقة بين الانتداب البريطاني والصهيونية.
سمات وصور أخرى للمرأة في روايات غريب عسقلاني:
تركز الروايات على تصوير معانات المرأة وما تكابده كأم وزوجة وأخت وابنة:
– بهدف استنهاض الذاكرة , والإبقاء على الحلم حصناً واقياً في مواجهة منعطفات الواقع السياسي.
– تحقيق المرأة لذاتها حيث بدت المرأة ايجابية صلبة فاعلة.
– مقاومة الاحتلال برفض العزلة عبر الانخراط الفاعل مع قضايا الناس وانتزاع القدرة على البقاء من خلال التواصل مع همومهم وآلامهم.
– تقديم صورة مشرقة للمرأة – من أجيال مختلفة – تعالت على الآلام ورفضت الاستسلام للظروف القاسية الصعبة.
وهناك صور أخرى للمرأة في روايات عسقلاني ومن ذلك:
- المرأة المناضلة:
(سعدية) في رواية الطوق: تنخرط في مواجهة الاحتلال لإيمانها بأنها صاحبة قضية.
أ – تعترض الجنود الذين أرادوا اعتقال أبيها المريض.
ب – تقوم بتوصيل رسائل الفدائيين وتتقدمهم لتكشف وتُؤّمِن لهم الطريق.
ج – تسقط شهيدة أثناء تأدية واجبها حين تقدمها مجموعة من الفدائيين.
(سميرة) في رواية الطوق: تشارك في العمل الفدائي.
أ – تخفي الأسلحة.
ب – تمد المحاصرين داخل الطوق بالطعام.
ج – تتعرض للضرب من جنود الاحتلال .
د- يتم اعتقالها مع أبيها في سجون الاحتلال.
تمزج روايات غريب عسقلاني داخل فضائاتها الحكائية العامة بين علائق يحكمها (التواصل والتعاون والتعايش والألفة), (والحب, حب الإنسان للإنسان، حب الرجل للمرأة والعكس، حب الوطن الخ …)، إن هذا هو التيمة ستجد لها مكاناً داخل نسيج البناء الروائي، حيث تتجسد صورة المحبة والتعاون والعلاقات الإنسانية والوجدانية العاطفية تربط بين الشخصيات، إلى جانب المحبة والتعاون يوجد الفراق والبعاد ممثلا بالغربة والسجن والموت، وهذا يطال مجموعة من الشخصيات أيضا.
داخل هذا الفضاء من أشكال الحضور والغياب، تتأسس العلاقات وتتجدد المصائر داخل الروايات.
ويبرز في روايات عسقلاني تأصيل علاقة المرأة بالمكان، (إما تجذر بالأرض أو استعادة جوانب من الماضي والحنين للمكان)
الرمز والدلالة:
تتخذ بعض الشخصيات(كزهرة) في رواية نجمة النواتي دلالات لها قوة الرمز الموحي، فشخصية زهرة تبدو رمزا للقضية والأرض والهوية، "زهرة سكنتنا جميعا، وأنت صائم على أسرارك يا ريس". "لكن زهرة في شرفتها ظلت تنتظر عودة البحار من مشواره القصير الذي امتد عشرين سنة، هي الدنيا"
واضح أن زهرة هي رمز للوطن فلسطين التي تنتظر شعبها وأهلها الذين طُردوا منها وقد تكون رمزاً للجزء الباقي من شعب فلسطين الذي تجذر بأرضه رغم كل محاول
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ